الجصاص
83
الفصول في الأصول
وأما الرسالة : فقد كان الخبر تواتر عنهم بدعاء النبي عليه السلام الناس إلى تصديقه ، وظهور المعجزات الموجبة لصحة نبوته على يده ، وقد كان عليهم النظر في أمره وما يدعو إليه ، وفي معجزاته ودلائل نبوته قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم الرسل ، للأحكام التي تتضمنها كتبه ورسائله إليهم . وبعد تقدمه الدعاء إلى التوحيد والتصديق بالرسالة . ألا ترى أنه قد بين لهم : أنهم إن أجابوا فلهم كذا ، وإن لم يجيبوا فعليهم كذا ، فقد تضمن ذلك أمرا لهم بحمل الشرائع . وضرب آخر : وهو توجيه النبي عليه السلام عماله إلى الآفاق ، كتوجيهه لمعاذ وأبي موسى الأشعري إلى اليمن ، واستعمال العلاء بن الحضرمي ( 1 ) على البحرين ، وغيرهم من عمال الصدقات ، وقد كان يتقدم إليهم بجمل الفروض والأحكام ، ويأمرهم بتعليمها للناس ، وحملهم عليها ، وإلزام المبعوث إليهم قبولها ، فدل على لزوم العمل بخبر الواحد . فإن قيل : إن الخبر كان يتواتر عندهم باستعمال العامل عليهم ، كما يتواتر الخبر الآن بتولية الخليفة أميرا من الأمراء بعض البلدان . قيل له : أجل قد كان يتواتر الخبر عندهم بالولاية ، إلا أنه لم يكن يتواتر عندهم الخبر بالأحكام التي يقدم بها إليهم ، فأمرهم بأدائها إلى المولى عليهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان كلما بعث عاملا بين لسائر الناس كل حكم أمره بإنفاذه ، وكل شريعة أمره بأدائها إليهم ، لنقل الناس ذلك إلينا نقلا متواترا ، فما كان المنقول إلينا من طريق التواتر : توجيه العمال دون الأحكام التي تقدم إليهم بها ، وقد علمنا مع ذلك : أنه كان يتقدم إليهم بأشياء من أحكام الشرع ، ويأمرهم بأدائها إلى المبعوثين إليهم ، ثبت أن الخبر لم يكن يتواتر عندهم بتلك الأحكام ، فدل على أن نقلها إليهم كان من طريق الآحاد . فإن قال قائل : إنما ألزم المولى عليهم ، قبول خبر المولى في الأحكام ، لأن النبي عليه